السيد محمد باقر الصدر

223

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

سنة ، تبعاً لما مرت به الدعوة من محن وقاسته من شدائد وما أحرزته من انتصار وسجّلته من تقدم ، وهي حالات يتفاعل معها الانسان الاعتيادي وتنعكس على روحه وأقواله وأفعاله ويتأ ثّر بأسبابها وظروفها والعوامل المؤثرة فيها ، ولكن القرآن الذي واكب تلك السنين بمختلف حالاتها في الضعف والقوّة ، في العسر واليسر ، في لحظات الهزيمة ولحظات الانتصار ، والتنزيل تدريجاً خلال تلك الأعوام كان يسير دائماً على خطه الرفيع لم ينعكس عليه أي لون من ألوان الانفعال البشري الذي تثيره تلك الحالات . وهذا من مظاهر الاعجاز في القرآن التي تبرهن على تنزيله من لدن علي حكيم ؛ ولم يكن القرآن ليحصل على هذا البرهان لولا انزاله تدريجاً في ظروف مختلفة وأحوالٍ متعددة « 1 » . 2 - إنّ القرآن بتنزيله تدريجاً كان امداداً معنوياً مستمراً للنبي صلى الله عليه وآله كما قال اللَّه تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » « 2 » . فإنّ الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه وتجدد العهد به وتقوية أمله في النصر ، واستهانته بما يستجد ويتعاقب من محن ومشاكل . ولهذا نجد أنّ القرآن ينزل مسلياً للنبي مرة بعد مرة مهوناً عليه الشدائد كلما وقع في محنة ، يأمره تارة بالصبر أمراً صريحاً ، فيقول : « وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا » « 3 » وينهاه تارة أخرى عن الحزن كما في قوله :

--> ( 1 ) سوف نتعرف على مزيد من التوضيح لهذا المعنى في بحث اعجاز القرآن . ( المؤلّف قدس سره ) ( 2 ) الفرقان : 32 ( 3 ) المزمل : 10